محمد طاهر الكردي

437

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

المسلم المهاجر عن بلد لم يتمكن فيه من إقامة دينه ، أو بلد تسب فيه الصحابة ، رضي اللّه عنهم ، ومن باب أحرى بلد يسب فيه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أو يحتقر فيه ولا يعظم ، لأن تعظيمه واجب بالكتاب والسنة وإجماع الأمة كما بسطناه في غير هذا الموضع ، وإن كان الأولى في الهجرة والأكمل أن تكون إلى المدينة المنورة مهما وجد المهاجر إلى ذلك سبيلا . أما من لم يجد إليه سبيلا ، فليس في استيطانه غيرها نقص في هجرته شرعا ، ولا يعد بذلك كمن ترك المدينة رغبة عنها ، بل يثبت له أجر القاطن بها ، إن حبسه عذر شرعي عن دوام سكناها مع عزمه على ذلك مهما أمكنه ، لما رواه البخاري في صحيحه في باب نزول النبي صلى اللّه عليه وسلم الحجر من رواية أنس بن مالك ، رضي اللّه عنه ، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رجع من غزوة تبوك فدنا من المدينة فقال : إن بالمدينة أقواما ، ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم . قالوا : يا رسول اللّه وهم بالمدينة . قال : وهم بالمدينة حبسهم العذر ا ه . فقوله : حبسهم العذر ، تعليل لكون اللّه تعالى أثبت لهم أجر المجاهدين ولو لم يسيروا معهم بأبدانهم فقد بلغت بهم نيتهم وعزمهم مبلغ أولئك المجاهدين السائرين له بأبدانهم ، وهم على فرشهم في بيوتهم ، وهذا الحديث أصل عظيم في كون نية المؤمن كعمله ، لا سيما إن كانت مع العزم الأكيد ، وهو دليل أيضا ، لأن كل من نوى خيرا وغلب عنه بعذر محقق كمرض ونحوه ثبت له أجر ذلك الخير الذي عزم عليه ، كما أشار له صاحب روضة النسرين بقوله : ومن نوى الخير لكن قد غلب * عنه فأجر ما نوى له جلب كغفلة وسفر ومرض * وكبر وغير ذا من عرض وقولي : أو بلد تسب فيه الصحابة الخ ، أشرت به إلى ما صرح به الحطاب في أول فصل صلاة السفر بقوله : وكذلك يجب الهروب من بلد يسمع فيها سب الصحابة ، رضوان اللّه عليهم أجمعين ، ولو كان مكة المكرمة والمدينة ا ه . وقولي : ولا يعد بذلك كمن ترك المدينة رغبة عنها الخ ، يؤيده ما ذكره السيوطي في حاشيته المسماة بتنوير الحوالك على موطأ الإمام مالك ، في باب ما جاء في سكنى المدينة والخروج منها ، عند حديث : لا يخرج أحد من المدينة رغبة عنها إلا أبدلها اللّه خيرا منه ، فقد قال هنا ما نصه عن ابن عبد البر ، والحديث عندي خاص بحياته صلى اللّه عليه وسلم وأما بعده فقد خرج منها جماعة من أصحابه ولم تعوض